الثلاثاء 2019/7/23 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
مواجهة التحدي الشعبوي
مواجهة التحدي الشعبوي
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* كينيث روث

تبدو موجة الشعبويين السلطويين أقل حتمية مما كانت عليه قبل عام. فلم يكن يبدو من الممكن حينئذ وقف سلسلة من السياسيين حول العالم ادعوا أنهم يتكلمون باسم «الشعب»، بينما كانوا قد أسسوا قواعدهم الشعبية بشيطنة الأقليات التي لا تحظى بالشعبية، الهجوم على مبادئ حقوق الإنسان، والتحريض على المؤسسات الديمقراطية. واليوم، هناك رد فعل شعبي في مجموعة واسعة من البلدان، عززه في بعض الحالات قادة سياسيون لديهم شجاعة الدفاع عن حقوق الإنسان، أضعف إلى حد ما مصير كثير من تلك الأجندات الشعبوية. وحيثما كان رد الفعل قويا، كان تقدم الشعبويين محدودا. ولكن عندما تلقى رسالة الكراهية والاستبعاد التي يروجون لها الاستسلام، يزدهر الشعبويون.جعل هذا الصراع العديد من القوى الغربية على وجه الخصوص أكثر تركيزا على الداخل، ما جعل العالم أكثر تجزؤا. فالولايات المتحدة يقودها رئيس معجب بالقادة الأقوياء الذين يدوسون على حقوق الإنسان إعجابا يثير القلق، وبريطانيا منشغلة بـ «البريكست» (الخروج من الاتحاد الأوروبي). غيّب ذلك في كثير من الأحيان مدافعَين تقليديَّين عن حقوق الإنسان على صعيد العالم، ولو كانت لهما عيوبهما.

لم تكن ألمانيا وفرنسا وشركاؤهما في الاتحاد الأوروبي دائما على استعداد لتعويض هذا الغياب حيث كانت هي الأخرى تصارع القوى السياسية العنصرية والمعادية للّاجئين في الداخل. أما الديموقراطيات الأخرى، مثل أستراليا والبرازيل وإندونيسيا واليابان وجنوب أفريقيا، فنادرا ما سمعناها تدافع دفاعا نشطا عن حقوق الإنسان، وذلك في أحسن الأحوال.سعت الصين وروسيا إلى الاستفادة من هذا الفراغ بينما ركّز الرئيسان شي جين بينغ وفلاديمير بوتين على قمع أي احتمال لقيام احتجاج جماهيري محلي على تباطؤ الاقتصاد وانتشار فساد الدولة، أكدا بقوة على أجندة معادية للحقوق في المنتديات الدولية، وأقاموا تحالفات أقوى مع حكومات قمعية. وقد نال تجنبهما للرقابة العامة إعجاب الشعبويين الغربيين والسلطويين حول العالم.أفسح انسحاب عديد من الحكومات التي كان يمكن أن تدافع عن حقوق الإنسان المجال أمام القادة القتلة وداعميهم. وتكاثرت الفظائع الجماعية مع الإفلات من العقاب في بلدان مثل اليمن، سوريا، بورما، وجنوب السودان. كما يتم تحدي المعايير الدولية الرامية إلى منع الانتهاكات الرهيبة، والمؤسسات التي أنشئت للاستجابة القضائية مثل «المحكمة الجنائية الدولية».في هذه البيئة العدائية، بدأ عدد من البلدان الصغيرة والمتوسطة في الاضطلاع بأدوار قيادية أكبر. أظهرت من خلال بناء تحالفات واسعة أنها قادرة على ممارسة ضغوط حقيقية للدفاع عن حقوق الإنسان. وفي بعض الحالات، دعمها جمهور يزداد تعبئة. قد لا يمكنها أن تحل محل القوى التي انسحبت بشكل كامل، ولكن ظهورها يدل على أن الاتجاه نحو الدفاع عن حقوق الإنسان لا يزال حي يرزق.
الرد على الشعبوية
تكمن القضايا الحقيقية وراء موجة الشعبوية في أجزاء كثيرة من العالم في الانهيار الاقتصادي وعدم المساواة الناجم عن العولمة والأتمتة والتغير التكنولوجي؛ الخوف من التحولات الثقافية، حيث تغذي سهولة النقل والاتصالات الهجرة هربا من الحرب والقمع والفقر وتغير المناخ؛ الانقسامات المجتمعية بين النخب العالمية التي تُرحب بالعديد من هذه التغييرات وتستفيد منها، وأولئك الذين يشعرون بأن حياتهم أصبحت أكثر خطورة؛ والصدمات النفسية للهجمات الإرهابية التي يستخدمها الدماغوجيون لتأجيج كراهية الأجانب والإسلام.معالجة هذه القضايا ليس بالأمر البسيط، لكن الشعبويين لا يميلون إلى الاستجابة لها باقتراح حلول حقيقية بقدر ما يميلون إلى اتخاذ الأقليات الضعيفة والشرائح الاجتماعية المهمشة أكباش فداء. وكانت نتيجة ذلك هجوما مباشرا على قيم الشمول والتسامح والاحترام التي تشكل صميم حقوق الإنسان. بل يبدو أن بعض الشعبويين في الواقع يستمتعون بانتهاك المحرمات التي تجسد هذه القيم. ويريد هؤلاء الشعبويون استبدال الحكم الديموقراطي، أي الحكومات المنتخبة المقيدة بالحقوق وسلطة القانون، بإيديولوجية الأغلبية التي لا يقف بوجهها شيء، مستشهدين بتفسيرهم الخاص لرغبات الأغلبية، الذي يخدم مصالحهم.لا يتطلب الرد على هذا التحدي الشعبوي معالجة المظالم المشروعة التي تكمن وراءها فحسب، بل أيضا إعادة التأكيد على مبادئ حقوق الإنسان التي يرفضها الشعبويون. يتطلب إبراز حسنات الحكومات التي تخضع للمساءلة أمام شعبها بدلا من تعزيز سلطة مسؤوليها وإثرائهم. ويتطلب إثبات أن حقوقنا جميعا معرضة للخطر إذا ما سمحنا للحكومات أن تقرر من يستحق أن تُحترم حقوقه. كما يتطلب تذكير الناس العاديين بأنهم بحاجة إلى حقوق الإنسان بقدر ما يحتاج إليها المعارضون والفئات المستضعفة.وكانت رغبة القادة الديمقراطيين في التصدي لهذا التحدي والدفاع عن حقوق الإنسان متأرجحة. فقبل عام، عندما كانت الرياح تبدو مواتية للشعبويين، لم تجرؤ سوى قلة على التصدي لهم. ولكن في العام الماضي، بدأ الأمر يتغير ليصبح مرئيا.
الدفاع عن الحقوق في فرنسا
شهدت فرنسا أكبر نقطة تحول. في بلدان أوروبية أخرى كالنمسا وهولندا، تنافس السياسيون خاصة في الوسط ويمين الوسط مع الشعبويين من خلال تبني العديد من مواقفهم القومية. كانوا يأملون في التفوق على جاذبية الشعبويين، ولكنهم في نهاية المطاف عززوا رسالة هؤلاء.اتبع ايمانويل ماكرون نهجا مختلفا خلال حملته الرئاسية، واعتنق صراحة المبادئ الديمقراطية، ورفض بشدة جهود «الجبهة الوطنية» لإثارة الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين. وأظهر فوزُه ونجاح حزبه في الانتخابات البرلمانية أن الناخبين الفرنسيين يرفضون بأغلبية ساحقة سياسات الجبهة الوطنية الانقسامية.ما زلنا لم نر كيف سيحكم ماكرون. فقد كان تحركه لترسيخ جوانب إشكالية من قانون الطوارئ في فرنسا بشكل دائم خطوة مبكرة مقلقة. وفي السياسة الخارجية، أظهر قيادته بالوقوف في وجه الحكم الاستبدادي في روسيا وتركيا وفنزويلا، والرغبة في دعم عمل جماعي أقوى للاتحاد الأوروبي ضد تقويض بولندا والمجر للحقوق. ولكنه كان مترددا فى مواجهة الانتهاكات الواسعة في الصين ومصر والسعودية. ورغم هذا السجل المختلط، فقد برهن خلال حملته أن الدفاع القوي عن المبادئ الديمقراطية يمكن أن يجتذب تأييدا عاما واسع النطاق.
الولايات المتحدة
ردا على انتخاب دونالد ترامب، شهدت الولايات المتحدة إعادة تأكيد واسعة لحقوق الإنسان من العديد من الجهات. فاز ترامب بالرئاسة إثر حملة من الكراهية ضد المهاجرين المكسيكيين واللاجئين المسلمين والأقليات العرقية والإثنية الأخرى، وازدراء واضح للمرأة. وجاء رد قوي من الجماعات المدنية والصحفيين والمحامين والقضاة وجمهور عريض، وأحيانا حتى من أعضاء منتخبين في حزب ترامب نفسه.لكن مع ذلك، استطاع ترامب اتخاذ خطوات رجعية بواسطة السلطة التنفيذية؛ رحّل الكثير من الناس بغض النظر عن صلاتهم العميقة بالولايات المتحدة، فأحيا سياسة قاسية تفتقد إلى المصداقية ، تتجلى في حملات واسعة لسجن المخالفين، وتخفيف الرقابة على انتهاكات الشرطة، وتقييد التمويل الشامل للصحة الإنجابية للنساء.لكن المقاومة قللت الضرر الذي كان يمكن أن يحدثه، ولا سيما بفعل جهوده للتمييز ضد المسلمين الذين يسعون إلى زيارة الولايات المتحدة أو الحصول على اللجوء فيها، تقويض الحق في الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، وطرد متحولي/ات النوع الاجتماعي من الجيش، بل، وفي بعض الحالات، ترحيل المهاجرين المقيمين منذ فترة طويلة.رفض وزير الخارجية ريكس تيلرسون إلى حد كبير دعم حقوق الإنسان كعنصر من عناصر السياسة الخارجية الأمريكية، مع التقليص الكبير للدور الأمريكي من خلال الإشراف على تفكيك غير مسبوق لوزارة الخارجية. فقد رفض ملء العديد من المناصب العليا، وأعفى العديد من الدبلوماسيين المخضرمين، وخفض الميزانية، وترك الوزارة تواجه مصيرها. استقال العديد من الدبلوماسيين والمسؤولين من شدة يأسهم من الوضع.ولكن بينما تقرب ترامب من حاكم سلطوي تلو الآخر، فإن بعض المسؤولين الباقين في وزارة الخارجية، مدعومين أحيانا من الكونغرس، بذلوا وسعهم لمنع التخلي التام عن مبادئ حقوق الإنسان التي لعبت دورا ولو جزئيا في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية على مدى 4 عقود. لقد مكّنوا واشنطن من لعب دور مفيد أحيانا، مثل التهديد بفرض عقوبات على المسؤولين العسكريين البورميين عن التطهير العرقي ضد أقلية الروهينغا.
ألمانيا
تصدرت ألمانيا خلال العام الماضي العناوين الرئيسية عندما أصبح «البديل من أجل ألمانيا» أول حزب يميني متطرف يدخل البرلمان منذ عقود. وانتزع هذا الصعود حصة من الدعم للائتلاف الحاكم الذي يشمل حزب المستشارة أنغيلا ميركل، «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، وعقّد مهمتها لتشكيل ائتلاف حاكم جديد. كانت المفارقة أن انشغال ميركل بالسياسة الداخلية، ودفاعها المستمر عن قرارها الشجاع عام 2015 بقبول أعداد كبيرة من طالبي اللجوء في ألمانيا، حرم أوروبا من صوت قوي مدافع عن حقوق اللاجئين والمهاجرين - وهي القضية الأكثر إثارة للجدل في القارة اليوم. وترك ذلك أيضا ماكرون دون شريكه الأوروبي الأبرز في مقاومة الشعبوية السلطوية.
بولندا والمجر
أصبحت أوروبا الوسطى بشكل خاص أرضا خصبة للشعبوية، حيث يستغل بعض القادة الخوف من الهجرة في أماكن أخرى من أوروبا لتقويض الضوابط والتوازنات التي تقيد سلطتهم في الداخل. ولكن الشعبويين واجهوا مقاومة هناك أيضا.
ففي بولندا، وسط احتجاجات عامة كبيرة وانتقادات دولية قوية، بما فيها من مؤسسات الاتحاد الأوروبي، اعترض الرئيس أندجيه دودا على محاولة للحكومة لتقويض استقلال القضاء وسيادة القانون، ولو أن البديل الذي قدّمه لم يفِ بالغرض.وفي المجر، أعاق التهديد بإجراءات قانونية من الاتحاد الأوروبي، فضلا عن الإدانة الدولية، بما في ذلك من الولايات المتحدة، خطط الحكومة لإغلاق «الجامعة الأوروبية المركزية»، معقل الفكر المستقل الذي يقف في وجه «الديمقراطية غير الليبرالية» التي يقودها رئيس الوزراء فيكتور أوربان. وفي حالة بولندا على الأقل، هناك اعتراف متزايد في مؤسسات الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الأعضاء بأن اعتداءاتها على الحكم الديمقراطي تشكل تهديدا للاتحاد برمته. ونظرا لموقف بولندا والمجر كمستفيدَين رئيسيين من تمويل الاتحاد الأوروبي، بدأ النقاش حول ما إذا كان ينبغي ربط هذه المساعدات بدعم القيم الأساسية للاتحاد.

* المدير التنفيذي لمنظمة 
هيومن رايتس ووتش

المشـاهدات 278   تاريخ الإضافـة 08/07/2019   رقم المحتوى 18284
أضف تقييـم