الإثنين 2019/9/23 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
هل تشق إيران طريقها نحو المفاوضات
هل تشق إيران طريقها نحو المفاوضات
سياسة
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

* عومير كرمي

دخلت قمة مجموعة الدول السبع (G7) لهذا العام التاريخ بديناميتها المذهلة فيما يتعلق بالقضية النووية الإيرانية. وللوهلة الأولى، بدا أن الاجتماع في بياريتز، فرنسا، كان الفعل الأخير في جهود الرئيس إيمانويل ماكرون للتوسط بين طهران وواشنطن. فقد وصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بشكل مفاجئ في خضم القمة. وفي اليوم التالي، صرح الرئيس حسن روحاني: «لو كنت أعلم أن حضور اجتماع وزيارة شخص يساهمان في تنمية بلادي ومعالجة مشاكل الشعب، لما كنت لأفوّتهما»، في إشارة على ما يبدو إلى محادثات محتملة مع الرئيس ترامب. ولكن منذ ذلك الحين، أصدر المسؤولون الإيرانيون تصريحات وشروطاً مسبقة تشير إلى أن الحكومات الغربية قد تحتاج إلى بذل المزيد من الجهود قبل أن تعيد طهران استئناف المفاوضات.

خطوة واحدة إلى الأمام .. خطوتان إلى الوراء
في مؤتمر صحفي مشترك عُقد في 26 آب بعد اجتماع القمة، أشار ماكرون إلى أنه في حين «لا شيء منقوش في الصخر»، إلا أن الكثير من الجهود قد بُذلت لإعادة طهران وواشنطن إلى طاولة المفاوضات، وأنه «يمكن القول إنه جرى وضع خارطة طريق». وعلى وجه التحديد، قال لروحاني وظريف إنه إذا قبلا بعقد اجتماع مع ترامب، ربما «في الأسابيع القليلة المقبلة»، يمكن عندها «التوصل إلى اتفاق». وأضاف أنه ينبغي على المجتمع الدولي أن يعوّض إيران أولاً من الناحية الاقتصادية، على سبيل المثال من خلال توفير «خطوط ائتمان» أو إعادة إطلاق قطاعات اقتصادية معينة. وخلال التعليقات الخاصة للرئيس ترامب عندما كان إلى جانب ماكرون، أعرب عن استعداده للاجتماع بروحاني «إذا كانت الظروف ملائمة»، وشدد على أن إيران تحتاج بشدة إلى هذه المحادثات لأن العقوبات الأمريكية أدت إلى تدهور وضعها الاقتصادي.لقد فتح المؤتمر الصحفي الإيجابي المجال للتكهنات حول احتمال انعقاد قمة رئاسية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ابتداءً من منتصف أيلول/سبتمبر. ولكن هذا التفاؤل كان سابقاً لأوانه. فبعد أقل من أربع وعشرين ساعة من انتهاء قمة مجموعة الدول السبع، تراجع المسؤولون الإيرانيون خطوة إلى الوراء. فقد نفى ظريف إمكانية عقد أي اجتماعات مع المسؤولين الأمريكيين ما لم تعد واشنطن إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة»، بينما أعلن روحاني أن رفع العقوبات يشكل شرطاً مسبقاً للمفاوضات.وتكرر الخطاب ذاته في 29 آب/أغسطس، عندما نشرت المجلة الأسبوعية لمكتب المرشد الأعلى السيد علي خامنئي كتاباً مفتوحاً موجهاً لروحاني وظريف بعنوان «المفاوضات مع الولايات المتحدة غير واردة حتماً». وشددت المقالة الافتتاحية على أهمية مظاهر القوة في العلاقات الدولية، قائلة أن أولئك الذين يؤمنون بأن المفاوضات هي الخيار الوحيد لمعالجة مشاكل إيران لا يدركون أن المحادثات لا تخدم المصلحة الوطنية إلا إذا كانت قوة الجمهورية الإسلامية «في حالة جيدة». ثم أعلنت المقالة أنه لن تُعقد محادثات على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأن «التفاوض مع الولايات المتحدة أظهر بوضوح أنه لا يخدم المصالح الإيرانية». ورغم أن السيد علي خامنئي نفسه لم يتحدث علناً منذ قمة مجموعة الدول السبع، إلا أن المقالات الافتتاحية لمكتبه تعبّر عادةً عن نهجه الفكري. وقد روجت وسائل الإعلام الإيرانية الرئيسية لاحقاً لهذا الخطاب، إذ نشر بعضها مقطع فيديو للسيد علي خامنئي على موقع «تويتر» يعود لعام مضى، يؤكد فيه أن المفاوضات مع الأمريكيين غير مجدية لأن الرؤساء الأمريكيين غير مهتمين إلا بإظهار أنهم قد جرّوا إيران إلى طاولة المفاوضات.
صراع داخلي أم رد فعل على ترامب؟
قد تبدو التناقضات مربكة للوهلة الأولى. ولكنها تشير على الأرجح إلى أن النظام العالم هو في خضم نقاش داخلي حول ما إذا كان يجب السعي إلى إجراء مناقشات جديدة مع واشنطن وكيفية القيام بذلك. وهذا النقاش يمكن أن ينتهي بدوره إلى تحديد إطار المحادثات بحد ذاتها.ومنذ انسحاب إدارة ترامب من «خطة العمل الشاملة المشتركة» في العام الماضي، انتقد السيد علي خامنئي مراراً وتكراراً روحاني وظريف، مما زاد من حدة النزاع المستمر بين معسكر الرئيس «المعتدل» ومعكسر المرشد الأعلى «المحافظ». وعلى وجه التحديد، قال السيد خامنئي بالوقوع ضحية لخداع الأمريكيين خلال المفاوضات النووية، معتبراً أنه لم يكن يجدر بإيران الوثوق بإدارة أوباما أو إجراء محادثات مع واشنطن في المقام الأول. وقد ينبثق عدول طهران الأخير أيضاً عن سرد الرئيس ترامب بأن إيران ستضطر قريباً للدخول في مفاوضات. ويميل هذا الخطاب إلى أن يكون بمثابة علم أحمر للقيادة ، لأنها تستغل نقاط الضعف في معركتها اللامتناهية للحفاظ على الشرعية المحلية وفي 28 آب/ أغسطس، على سبيل المثال، أعلن نائب وزير الخارجية عباس عراقجي «لن تتفاوض أي دولة تحت الضغط»، لأن القيام بذلك سيكون بمثابة استسلام أكثر منه نقاش فعلي. وكرر القائد العام لـ «الحرس الثوري الإسلامي» الإيراني اللواء حسين سلامي هذه الفكرة بعد يوم، قائلاً أن «العدو» يسعى إلى الضغط على إيران لكي تستسلم وتضطر إلى الدخول في مفاوضات.
إستراتيجية إيران الحالية
بغض النظر عما حدث وراء الكواليس في طهران في الأسبوع الأخير، فقد اتضحت بعض الأمور حول الاستراتيجية الأخيرة للنظام وتداعياتها المحتملة على المحادثات المستقبلية. أولاً، تعمل إيران بشكل مطرد على فتح قنوات لنقل الرسائل إلى الرئيس ترامب عبر شركائه الدوليين الموثوقين، وأبرزهم ماكرون والرئيس الياباني شينزو آبي. وكما أشار ماكرون في قمة مجموعة الدول السبع، قد يشكل هؤلاء «الوسطاء» جزءاً من ائتلاف مفاوضين في المناقشات المستقبلية.ثانياً، تضع إيران سقفاً عالياً لاستئناف المحادثات مع واشنطن، على الأقل في الوقت الحالي. ويقيناً، أظهرت طهران في الماضي أنها تستطيع إبداء مرونة بشأن مطالب كهذه إذا لزم الأمر. ومع ذلك، فإن إعلان شروط مسبقة صارمة في البداية يمكن أن يساعد روحاني على تحقيق هدفين. على الجبهة المحلية، قد يهدئ ذلك بعض النقاد، من خلال طمأنتهم بأن إيران لن تُقدم على خطوة أخرى محفوفة بالمخاطر دون تنازلات أمريكية كبرى (مثل إزالة العقوبات والانضمام إلى «خطة العمل الشاملة المشتركة»). وعلى الصعيد الدولي، فإن الشروط المسبقة قد تدفع الاتحاد الأوروبي وأطرافاً أخرى إلى منح إيران بعض التنازلات الاقتصادية على الأقل قبل بدء المحادثات.وفي الواقع، تقدم طهران ورقة التظلّم مع الأسرة الدولية مراراً وتكراراً منذ انسحاب ترامب من «خطة العمل الشاملة المشتركة»، واضعةً نصب عينيها الهدف الرئيسي المتمثل بتنفيذ «آلية دعم التبادل التجاري» (INSTEX) بشكل كامل، وهي «الوحدة الأوروبية ذات الغرض الخاص» التي تم تأسيسها في وقت سابق من هذا العام لتسهيل التجارة مع إيران. ووفقاً لعراقجي، أخبر روحاني ماكرون أنه ينبغي على أوروبا تيسير آلية تسمح لطهران ببيع النفط، إما من خلال الحصول على إعفاءات من واشنطن أو توفير «خطوط ائتمان» يمكن لإيران استخدامها لشراء سلع مقابل النفط. وذكر ماكرون هذا الموضوع في تصريحاته لمجموعة الدول السبع.ثالثاً، تقوم إيران برفع التكاليف الافتراضية لسيناريو «عدم التوصل إلى اتفاق» من أجل الضغط على أوروبا لتسريع «آلية دعم التبادل التجاري» وتقديم تنازلات مماثلة. وكما أوضح عراقجي في 28 آب/أغسطس، إذا لم تُلبَّ المطالب الإيرانية، سيتطلب المزيد من الخطوات لـ تقليص التزامات إيران بموجب «خطة العمل الشاملة المشتركة». وقد تخطت ايران بالفعل كمية اليورانيوم المنخفض التخصيب التي يُسمح له بتخزينها بموجب الاتفاق النووي، ورَفَع مستوى تخصيبه إلى ما يتجاوز 3.67 في المائة (انظر المرصد السياسي 3126 للحصول على شرح أكمل لهذه المسائل التقنية). وحالياً تهدد ايران باتخاذ خطوة أخرى مماثلة في 6 أيلول/ سبتمبر، على الرغم من أن المسؤولين لم يحددوا بعد طبيعتها.وبينما يمضي القادة الإيرانيون قدماً بهذه الاستراتيجية ويحاولون في الوقت نفسه التكيف مع الصعوبات الاقتصادية المتنامية، يبرز سؤال أساسي: هل يؤمنون حقاً بأن الرئيس ترامب سيتنازل عن عقوبات كبرى في مجال الطاقة في عام الانتخابات، أم أنهم يقدّمون هذا المطلب المبالغ فيه فقط لحث أوروبا أو أمريكا على تقديم عدد أقل من التنازلات بشأن قضايا مثل «آلية دعم التبادل التجاري»؟ ونختم قولنا بأن ايران تعرف كيف تناور سياسيا وموقفها يستمد القوة من ايمانها بقضيتها العادلة.

* نائب الرئيس لشؤون الاستخبارات الإسرائيلية (سيكسجيل)
 

المشـاهدات 312   تاريخ الإضافـة 04/09/2019   رقم المحتوى 20133
أضف تقييـم