الثلاثاء 2021/9/21 توقيـت بغداد
07901195815-07707011113    albaynanew@yahoo.com
جريدة يومية سياسية عامة مستقلة
لا ترتبط بحزب أو حركة أو جهة دينية أو سياسية
صاحب الإمتياز
ورئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير
مذكرات سرية لمسؤول ألماني معارض للنازية .. ماذا قال عن جرائم هتلر؟
مذكرات سرية لمسؤول ألماني معارض للنازية .. ماذا قال عن جرائم هتلر؟
ملف من الماضي
أضيف بواسـطة albayyna
الكاتب
النـص :

عندما أمر هتلر باجتياح بولندا عام 1939 بدأ «كيلنر» بتدوين ملاحظاته في شكل يوميات

متابعة البينة الجديدة

تكمن أهمية مذكرات «كيلنر» في ذكرها الجرائم التي ارتكبت ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. قد يتساءل البعض متعجبًا: ألم يكن هناك معارضون للنازية بين صفوف الألمان، بطبيعة الحال، من الصعب أن يعلن شخص ما معارضته قرارات الحزب الحاكم أو أفعاله في ظل نظام قمعي وحشي، إلا أن الآن وبعد مرور ما يزيد على نصف قرن من الهولوكوست ظهرت إحدى المذكرات السرية لأحد المسؤولين الألمان المعارضين للرايخ الثالث أثناء فترة الحرب العالمية الثانية. وحسب ما ذكره موقع «هيستوري إكسترا»، التابع لوكالة بي بي سي البريطانية، في تقرير تناول أهم ما جاء في المذكرات،    فإن المذكرات نشرت بداية بلغتها الأم، ثم ترجمت لاحقًا للإنجليزية في إصدار لجامعة كامبريدج.في عام 1960، تتبع الجندي الأمريكي «روبرت سكوت كيلنر» أثر جده الألماني «فريدريك كيلنر»، توقع «روبرت» الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 19 عامًا أن يجد أشياء تتعلق بالنازية، لكنه اكتشف بدلًا من ذلك قصةً استثنائية لكفاح رجل ضد الشمولية الاستبدادية، وفي وقت لاحق كشف «كيلنر» عن مذكرات جده السرية أيام الحرب، والتي تُرجمت من الألمانية، ونُشرت بالإنجليزية في وقت سابق من هذا العام. كان «أوجست فريدريك كيلنر» (1885– 1970) يسير في حياته وفق فلسفتين بسيطتين: عامل الآخرين بإنصاف، كما تحب أن تُعامل، وقدم الخير على الشر دائمًا. ففي خضم المسيرات السياسية في عشرينيات القرن الماضي بألمانيا، رفع كتاب أدولف هتلر «كفاحي»، وهتف: «جوتنبرج، لقد انتهكت حرمة مطبعتك بطباعة هذا الكتاب الشرير»، لم يعلم حينها أن مذكراته ستنشر ذات يوم في كتاب بعنوان «معارضتي»، وسيكون موضع ترحيب في يوم ما باعتباره فكرًا مناوئًا لعقيدة هتلر النازية.تكمن أهمية مذكرات «كيلنر» في ذكرها الجرائم التي ارتكبت ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، كما وفرت أدلة لمدى إدراك الشعب الألماني النوايا النازية بالانتقال من المذابح المنظمة مثل مذبحة «ليلة الكريستال» إلى الإبادة الجماعية. ففي السابع من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1939، وبعد أسابيع قليلة من اجتياح ألمانيا بولندا، وضع «كيلنر» قائمةً من الأخطاء النازية التي ستكون سببًا في سقوطها في نهاية المطاف، وجاء البند السابع من القائمة تحت عنوان «اضطهاد اليهود وإبادتهم».لم يمض وقت طويل حتى تحققت نبوءة «كيلنر»، إذ سجل في يومياته بتاريخ 28 أكتوبر من عام 1941، شهادات جنود شهدوا عيانًا على الفظائع التي ارتكبت في الجزء المحتل من بولندا، إذ صُفَّ اليهود عُراةً رجالًا ونساءً أمام خندق طويل وعميق، ومن ثم أُطلقت النار على رؤوسهم من الخلف، وسُمِع دوي الصرخات، بينما انهال التراب على الضحايا في الخندق لملئه. كتب «كيلنر» في مذكراته: «لا أعرف عقوبة كافية يمكن تطبيقها قصاصًا من هؤلاء الوحوش النازيين»، وأضاف أن «99% من الشعب الألماني يحمل بشكل مباشر أو غير مباشر الذنب في ما آلت إليه الأوضاع الحالية».يشير التقرير إلى أن «كيلنر» تساءل في مذكراته حول سبب حدوث كل هذه الأعمال الوحشية؟ ليأتي جوابه الصادم بأن «لا بد من إبادة اليهود لأنهم أكثر ذكاءً من الشعب الألماني»، كان ذلك تفسير «كيلنر» التهكمي اللاذع. أشار إلى القضاة، والمحامين، والأطباء، والمهنيين بشكل عام -من وجهة نظره- باعتبارهم «أسوأ المعادين للسامية» فقط بدافع «الغيرة المهنية»، وقد صرح «كيلنر» مدفوعًا بتعاطف فطري أن «جعل اليهود شعبًا بلا حقوق، أمر لا يليق بأمة متحضرة»، وأضاف أن «لعنة هذا الفعل الآثم سوف ترتد بقسوة على الشعب الألماني بأكمله».وبعد مرور شهرين من تلك الواقعة، ذكر «كيلنر» أن اليهود نُقلوا خارج البلاد؛ لم يعلم بالضبط إلى أين أُرسلوا، لكنه كان متيقنًا أنهم كانوا يتجهون إلى حيث يلقون حتفهم بلا شك. لم يمض وقت طويل حتى تأكد ارتيابه؛ إذ كتب في 16 سبتمبر (أيلول) من عام 1942: «لقد نما إلى مسامعي من مصدر موثوق أن جميع اليهود الذين نُقلوا إلى بولندا، قُتلوا على يد فرقة من قوات شوتزشتافل»، ووصف الحادث قائلًا: إن «عملًا وحشيًّا من هذا القبيل لا يُمكن أن يُمحى من ذاكرة التاريخ الإنساني».وُلد «فريدريك كيلنر» في ألمانيا عام 1885، وبعد تخرجه في المدرسة الثانوية، تعين في منصب موظف حكومي مبتدئ في النظام القضائي للإمبراطورية الألمانية، أدى الخدمة العسكرية رقيبًا في سلاح المشاة خلال الحرب العالمية الأولى، إلى أن أُصيب بشظية قذيفة في فرنسا. خلال الفترة التي قضاها في ميادين القتال، شكك في الاستراتيجية الرعناء للقيادة العليا، وسعي الإمبراطور المحموم إثر المجد، وعلى الرغم من استعداده للتضحية بحياته لحماية وطنه، لم ير أي معنى لموت جندي ألماني في فرنسا، بسبب قتل صربي نمساويًّا في البوسنة.شكلت خسارة الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطورية الألمانية بارقة أمل، واحتمالات وتحديات جديدة لـ«كيلنر»، وزوجته «بولين بريوس»، وابنهما «كارل فريدريك فيلهلم»، رُقي «كيلنر» إلى منصب مفتش عدالة، وهي وظيفة تتضمن مهامها إدارة سجلات المحكمة. وكان ينظم في وقت فراغة حملات لصالح الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من أجل حماية الديمقراطية الوليدة من انتهاكات الأحزاب ذات الأجندات الشمولية، بداية من الشيوعيين، وانتهاءً بالاشتراكيين القوميين.
وبينما كان الاقتصاد العالمي يعاني من الانهيار العظيم عام 1929، وكذلك اكتساب النازيين قوة متنامية في ألمانيا، تولى «كيلنر» وظيفة مدير محكمة في بلدة لوباش الصغيرة، إذ لم يكن معروفًا بآرائه السياسية. ولسوء الحظ، كان رئيس المحكمة، القاضي «لودفيج شميت» نازيًّا متشددًا، لذا لم يثر رفض «فريدريك» الانضمام إلى الحزب النازي شكوك القاضي وعداوته فحسب، بل أثار شكوك عمدة البلدة «أوتو هوجي» أيضًا، فضلًا عن زعيم التجمع النازي المحلي «أوتو بوت».كتب «إرنست مونيج»، زعيم التجمع المحلي لمنظمة الرعاية القومية الاشتراكية للمواطنين في أحد التقارير النازية حول «فريدريك»، أن «سلوك كيلنر له تأثير سيئ على بقية الأمة»، وأضاف: «نرى أنه لا بد من إبعاده عن لوباش».حسب ما جاء في التقرير، عندما أمر هتلر باجتياح بولندا عام 1939، بدأ «كيلنر» بتدوين ملاحظاته في شكل يوميات، والتي بلغت في نهاية المطاف قرابة 900 صفحة، وعقد العزم على تسجيل جرائم النازية، وانصياع الشعب الألماني الساحق وموافقته على هوس الفوهرر بغزو أوروبا.ومن خلال كتابته تلك اليوميات، حمل «كيلنر» على عاتقه مهمةً قد تؤول به وزوجته «بولين» إلى حبل المشنقة بتهمة الخيانة، كان «كيلنر» خاضعًا لمراقبة قوات شوتزشتافل على أية حال، وفي أوائل عام 1940، استجوب مرتين حول آرائه السياسية، من حسن حظه، أن وضعه باعتباره مسؤولًا قضائيًّا من الفئة المتوسطة شكل عائقًا أو بالأحرى حصنًا أمام النازيين، إذ لا بد من توافر مزيد من الأدلة قبل اعتقاله. قال «هيرمان إنجست»، مدير السياسات النازي: «إذا أردنا أن نوقع بأشخاص على شاكلة شخصية كيلنر، فلا بد لنا أن نستدرجهم خارج أماكن تحصنهم، ونتيح لهم فرصة تجريم أنفسهم بأنفسهم».وضعت «بولين» -زوجة كيلنر- تحت مراقبة قوات شوتزشتافل أيضًا، وواجهت مشاقًا عظيمة في سبيل تجنبها أداء التحية النازية، وتجنب المواقف التي توجب عليها قول تحية «هايل هتلر». وعلى الرغم من المرات العديدة التي أتت فيها زعيمات المنظمات النازية النسائية إلى دار المحكمة لإقناعها بالانضمام إلى منظماتهن، إلا أن «بولين» كانت تجيب بالرفض دائمًا. كتب «كيلنر» في مذكراته حول تلك المحاولات أن «على الرغم من جهودهن وتهديداتهن المتكررة، لم تملأ زوجتي استمارةً واحدة للانضمام إلى أي من تلك المنظمات»، وأضاف: «أود أن أشير إلى أنه نادرًا ما تجد في شتى أنحاء ألمانيا، زوجات مسؤولين أظهرن القدر نفسه من الشجاعة».عبر «كيلنر» في مذكراته أنه خلال الفترة التي سبقت الحرب، لم يستطع أن يفهم أسباب عدم تصدي الحلفاء لهتلر عندما بدأ في إعادة تسليح ألمانيا، في انتهاك صريح لمعاهدة فرساي، وكذلك لم يستطع فهم سبب استرضائهم لهتلر عندما طالب بجزء من تشيكوسلوفاكيا عام 1938، وكتب «كيلنر» في مذكراته أن الحكومة الفرنسية كانت «تراقب بهدوء»، بينما كان غريمهم التاريخي يزداد قوةً فوق قوتة. كما فشل تشامبرلين، رئيس الوزراء البريطاني آنذاك -«الأخرق» حسب وصف «كيلنر»- في اتخاذ إجراء حاسم عندما كانت هناك حاجة ماسة لذلك، واختتم «كيلنر» قائلًا: «بصفته أهم رجل دولة على ساحة القوى الدولية، كان يتوجب عليه لزامًا أن يواجه أي هجوم برد فوري حاسم».ذكر «كيلنر» متحدثًا عن الشعب الألماني في مذكراته أن «الغطرسة قد بلغت حدًّا لا يمكن تصوره في كافة طبقات المجتمع، وتولد إيمان لا يخالجه ريب في قوة الأسلحة الألمانية»، وأضاف: «الجميع يرددون أن إنجلترا سوف تُمنى بهزيمة نكراء سريعة، ودمار كامل. إذ روج الدكتور «غوبلز» -وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر- أن الألمان نجحوا بالفعل في إغراق الأسطول الإنجليزي بالكامل، لذا فلا حاجة للجماهير الساذجة بالقلق حيال أي شيء».

المشـاهدات 933   تاريخ الإضافـة 15/02/2020   رقم المحتوى 24052
أضف تقييـم